تحوّلت بعض الإتحادات والأندية الرياضية في لبنان إلى مساحاتٍ للتجارب العشوائية، حيث يجلس على الكرسي الإداري من يملك الصوت العالي لا الفِكر الإداري، ومن يجيد التقاط الصوَر لا صناعة الإنجازات. فالإدارة الرياضية ليست هواية، وليست وجاهة إجتماعية، وليست بطاقة عبور إلى السفريات والمؤتمرات والمآدب، بل علمٌ قائمٌ على التخطيط والحوكمة والقانون والإدارة المالية والتنمية البشرية.
كم من إتحادٍ سقط في الفوضى لأنّ إدارته تفتقر إلى الحدّ الأدنى من الكفاءة؟ وكم من نادٍ تاريخي إنهار لأنّ العاطفة حلّت مكان الخبرة؟ وكم من مشروع رياضي وُلد ميتاً لأنّ من يقوده لا يعرف الفرق بين الإدارة والإرتجال؟
الرياضة الحديثة لم تعد ملعباً فقط، بل أصبحت صناعةً متكاملة تحتاج إلى إداريين محترفين يمتلكون المعرفة القانونية والقدرة على التخطيط الإستراتيجي وإدارة الأزمات والتسويق والحوكمة الرشيدة. أما الإستمرار بعقلية “المحبّين والهواة”فهو الوصفة الأسرع لتدمير ما تبقّى من القطاع الرياضي.
من هنا، تصبح البرامج التدريبية لإدارة الإتحادات والأندية الرياضية مشروعاً أكاديمياً وطنياً لا ترفاً فكرياً، برامج تهدف إلى الإرتقاء بالإدارة الرياضية وتعزيز التنمية والحوكمة المحلية، لأنّ الإتحادات والأندية ليست مجرّد جمعيات محلية، بل الخلية الأولى في جسم المجتمع المدني، ومختبرٌ حقيقي لبناء القيادات وصناعة الإنتماء الوطني.
إنّ الإداري الرياضي الذي لا يطوّر نفسه، يبقى أسير أزماته الشخصية والإدارية، يكرّر الأخطاء نفسها، ويقود مؤسسته إلى الدوران في الحلقة المفرغة ذاتها: خلافات، إنقسامات، ديون، ووعود وهمية.
القطاع الرياضي في حاجة إلى برامج تدريبية متخصصة تزرع ثقافة الإلتزام في الخدمة العامة والتطوير المستمر، وتمنح الإداريين المعارف القانونية والإدارية والمهارات الحديثة في التخطيط والتنظيم والتواصل وإدارة الموارد. فالمأسسة لا تُبنى بالشعارات، بل بالكفاءة والإنضباط والعِلم.
كفى إستسهالاً للعمل الإداري الرياضي، كفى تحويل الإتحادات إلى "ديوانيات"، وكفى التعامل مع الأندية كأنها ملكيات خاصة تُدار بالمزاج والمحسوبيات.
من يحبّ الرياضة عليه أن يخدمها بالعِلم قبل التصفيق، وبالكفاءة قبل الظهور الإعلامي، لأنّ الرياضة التي تُدار بالجهل تبقى رهينة الفشل، مهما إرتفعت الأصوات وتكاثرت البيانات والصور، لذلك نقول بكل تواضع، ليس كلّ من أحبّ الرياضة قادر على إدارتها.
عبدو جدعون